الشيخ السبحاني
205
بحوث في الملل والنحل
وقد بسط الخطيب الكلام في تأريخه ونقل بعض ما رواه وأشار إلى جوانب من حياته « 1 » . وما أسّسه من المذهب يرتبط بالفروع والأحكام ، لا العقائد والأُصول فالمصدر الفقهي عنده هو النصوص ، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع ، فهم يأخذون بالنصوص وحدها وإذا لم يكن النصّ أخذوا بالإباحة الأصليّة . أقول : إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد يستلزم طرده عن ساحة الفقه بوجه أولى ، لأنّ أساسه هو التعبّد بالنصوص ، وعدم الإفتاء بشيء لا يوجد له أصل في الكتاب والسنّة ، لكنّ الجمود على حرفيّة النصوص شيء والتعبّد بالنصوص وعدم الإفتاء في مورد لا يوجد فيه أصل ودلالة في المصدرين الرئيسيين شيء آخر . فالظاهرية على الأوّل ، والفقهاء على الثاني ، ولأجل إيضاح الحال نأتي بمثالين : 1 - إنّ الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة ضروريّ الإنتاج من غير فرق بين الأُمور التكوينيّة أو الأحكام الشرعيّة ، فكما أنّ الحكم بحدوث العالم نتيجة حتميّة لقولنا : العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث ، فهكذا الحكم بحرمة كلّ مسكر ، نتيجة قطعيّة لقولنا : الفقاع مسكر ، وكلّ مسكر حرام ، فالفقاع حرام . لكنّ الظاهري يقبل المقدّمتين ولكن لا يفتي بالنتيجة بحجّة أنّها غير مذكورة في النصوص .
--> ( 1 ) . تاريخ بغداد للخطيب : 8 / 369 .